كمال الدين دميري
277
حياة الحيوان الكبرى
« يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل » « 1 » . وفي السنن : « يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل » « 2 » . وروى الشافعي رحمه اللَّه تعالى في مسنده بإسناد على شرط مسلم عن عبد اللَّه بن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهما أنه قال : إن لبن الفحل لا يحرم ، ومعناه أن حرمة الرضاع لا تثبت بين المرتضع وبين زوج المرضعة الذي اللبن منه ، وإنما تنتشر الحرمة إلى أقارب المرضعة لا غير . وروي هذا عن ابن عمر وابن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهم ، وبه قال داود الأصم ، وهو اختيار عبد الرحمن ابن بنت الشافعي . والذي ذهب إليه الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وغيرهم من علماء الأمة ، أن حرمة الرضاع تثبت بين المرتضع وبين المرضعة ، وبين زوجها الذي منه اللبن فتكون المرضعة أما له وزوجها أبا له كما إذا ولدته من مائة ، وكانا أبوين له ، لحديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها المتفق على صحته في قصة فلح بن أبي القعيس ، وحديثها أيضا المتفق عليه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » « 3 » . وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين : أحدهما أن يكون قبل استكمال المولود حولين ، لقوله « 4 » تعالى : * ( والْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ) * ولقوله صلى اللَّه عليه وسلم : « لا يحرم من الرضاع إلا ما يفتق الأمعاء » . وفي رواية « 5 » « لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم » . وإنما يكون هذا في حال الصغر . وعند أبي حنيفة مدة الرضاع ثلاثون شهرا لقوله تعالى : * ( وحَمْلُه وفِصالُه ثَلاثُونَ شَهْراً ) * « 6 » . والشرط الثاني أن يكون خمس رضعات متفرقات ، كل رضعة إلى الشبع . روي ذلك عن عائشة وعبد اللَّه بن الزبير رضي اللَّه عنهم ، وبه قال مالك والشافعي وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرم ، وهو قول ابن عباس وابن عمر رضي اللَّه عنهم . وروي عن سعيد بن المسيب ، وإليه ذهب الثوري ومالك في إحدى الروايات ، والأوزاعي وعبد اللَّه بن المبارك وأبو حنيفة ، فإن كان للرجل خمس بنات أو زوجات أو أمهات أولاد ، فأرضعت كل واحدة رضعة واحدا جنينا واحدا ، ففيه ثلاثة أوجه : أحدها لا يقع التحريم ، والثاني يصير ابنا له ولا يصير ابنا للمرضعات ، والثالث يصير ابنا له وللمرضعات ، فإن وصل اللبن إلى جوفه بحقنة ، ففيه قولان : وإن اختلط اللبن بمائع ووصل إلى جوفه ثبتت الحرمة ، وإن كان مغلوبا على أصح القولين . وللمسألة فروع مبسوطة في كتب الفقه . قلت : وقد أذكرني اللبن حديثا رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال « 7 » : « لا أخاف على أمتي إلا اللبن فإن الشيطان بين الرغوة والضرع » . وروى أيضا من حديث عقبة بن عامر رضي اللَّه تعالى عنه ، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « سيهلك من أمتي أهل اللبن » . قيل : من هم يا رسول اللَّه ؟ قال « 8 » : « أناس يحبون اللبن فيخرجون من الجماعات
--> « 1 » رواه البخاري : إجارة 5 ، جهاد 5 . ومسلم : زكاة 27 . « 2 » رواه البخاري : أدب 43 . « 3 » رواه البخاري : شهادات 7 ، نكاح 20 . ومسلم : رضاع 9 . « 4 » سورة البقرة : آية 233 . « 5 » رواه ابن حنبل : 7 - 432 . « 6 » سورة الأحقاف : آية 15 . « 7 » رواه ابن حنبل : 2 - 176 . « 8 » رواه ابن حنبل : 4 - 146 - 155 .